المركزي يستعمل مال الناس ليُهدي المصارف

المركزي يستعمل مال الناس ليُهدي المصارف -- May 15 , 2026 151

قرأنا بذهول البيان الصادر عن مصرف لبنان حول نتائج التعميمين 158 و166، حيث ذكر أنّ بعض المودعين استعادوا كامل ودائعهم أو جزءاً من أموالهم، وهذا مفهوم على الصعيد الإنساني، لكنّ الأرقام الواردة فيه تكشف واقعاً خطيراً يتمّ التعامل معه وكأنّه نجاح مالي وإداري.

فبحسب البيان، بلغت حصة المصارف الخاصة من دفعة شهر آذار 2026 نحو 11,8% فقط، فيما دفع مصرف لبنان 88,2% من المبالغ المدفوعة للمودعين. أمّا مجمل الدفعات منذ بدء العمل بالتعميمَين، فقد بلغت 6,109 مليارات دولار حتى نهاية آذار 2026، في حين لم تدفع المصارف سوى 1,926 مليار دولار فقط، أي ما نسبته 31,54% من مجموع الأموال المدفوعة. وهذا أمر فظيع، لأنّ الأموال التي دفعها مصرف لبنان هي أموال الشعب اللبناني واحتياطاته، ولا يحق له أن يهديها للمصارف الخاصة. فحين يدفع المركزي المبالغ بالنيابة عن المصارف يكون يزيل عنها العبء ويجعلها تجني المزيد من الارباح.

لقد اعتادت المصارف خلال السنوات الماضية أن تدفع للمودع مبلغاً صغيراً، ثم تشطب أضعاف هذا المبلغ من قيمة وديعته عبر أسعار صرف مجحفة واقتطاعات غير قانونية. واليوم، يبدو أنّ حاكم مصرف لبنان يعتبر أنّ هذا الأمر حق طبيعي للمصارف، من دون أن يكلّف نفسه حتى عناء كشف دفاترها أو فتح حساباتها أمام الرأي العام لمعرفة حقيقة أوضاعها المالية.

فأضعف الإيمان في علم الاقتصاد أن تعرف الحقيقة المالية أولاً قبل المباشرة بصرف أموال الشعب. لا يمكن لأي سلطة نقدية محترمة أن تبدأ باستخدام الاحتياطات والأموال العامة لتغطية خسائر القطاع المصرفي من دون تدقيق شامل وشفاف بحسابات المصارف، ومن دون تحديد المسؤوليات، ومعرفة ما فعلت المصارف بالودائع، والإجابة عن أسئلتنا التي نكرّرها دائماً.

ما يحصل اليوم يوحي وكأنّ المطلوب حماية المصارف بأي ثمن، حتى ولو كان الثمن استنزاف ما تبقّى من أموال اللبنانيّين. إنّ أحداً من المسؤولين حتى الآن لم يطلب فتح دفاتر المصارف بشكل جدّي.

إنّنا نطلب من البرلمان اللبناني أن يحقق في هذه الدفعات بشكل جدّي وشفاف، وأن يكشف حقيقة ما يجري في هذا الملف، ويتخذ الإجراءات اللازمة لوضع حدّ لهذا الإجحاف المستمر بحقوق الناس.

وإذا ووجهنا كالعادة بعدم اكتراث المسؤولين لهذه المطالب، فإنّ ذلك يعني عملياً أنّه لا أمل حقيقياً في تعافي الاقتصاد في لبنان، لأنّنا نكرّر منذ سنوات، أنّ الثقة بالمصارف الحالية معدومة، وما يجري اليوم لم يزد إلّا تعميق هذه القناعة، بل وساهم أيضاً في فقدان الثقة بالمسؤولين الجدد الذين يُفترض أنّهم جاؤوا للإصلاح لا لاستمرار النهج نفسه. إنّ الاقتصاد لا يمكن أن يتعافى طالما أنّ المصارف نفسها والمسؤولين عنها، ما زالوا بالذهنية نفسها.

ملاحظة على الهامش: إنّ الحديث عن «استرجاع كامل الودائع» هو بحدّ ذاته توصيف مضلّل، لأنّ المودعين الذين استعادوا أموالهم بعد 7 سنوات، لم يستعيدوا فعلياً القيمة الحقيقية لودائعهم، بعدما أكل التضخُّم والانهيار النقدي جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية. فالمودع الذي استعاد وديعته اليوم، يكون عملياً قد استعاد جزءاً من قيمتها فقط، فيما كانت المصارف قد استعملت هذه الأموال طوال السنوات الماضية، واستفادت منها بالكامل، وحققت عبرها الأرباح والاستثمارات.

والعوض بسلامتكم.

فادي عبود - الجمهورية

أقرأ أيضاَ

مصرف لبنان: استعادة الودائع طويلة وشاقّة.. ومستمرون برغم ذلك

أقرأ أيضاَ

تعديلات قانون إصلاح المصارف: ما الذي تغيّر؟